علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

567

شرح جمل الزجاجي

اجتمع المفعول الصريح مع غيره لم يقم إلّا المفعول الصريح . وأما في باب " كسوت " فكلا المفعولين فيه مفعول صريح ، وفي باب " ظننت " كلاهما غير صريح ، لأن أصلهما المبتدأ والخبر . ولذلك تكافأ المفعولان في البابين ، أعني في باب " كسوت " وفي باب " ظننت " بخلاف باب " أعلمت " . ومن الناس من أجاز إقامة كل واحد من المفعولات الثلاث . والذي ورد به السماع ويقتضيه القياس ، إنّما هو ما ذكرناه من إقامة الأول . وكانت إقامة الأول في البابين أولى ، لأن مرتبة الأول أن يلي الفاعل ، فكان أولى أن يقام مقام الفاعل ما مرتبته أن يكون بعده . فإن اجتمع للفعل المصدر ، وظرف الزمان والمكان ، والمجرور ، ولم يكن له مفعول به مسرّح ، كنت بالخيار في إقامة أيّها شئت ، إلا أن إقامة المصدر إذا كان مختصا في اللفظ أولى من إقامة الظرف والمجرور ، قال اللّه تعالى : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ( 1 ) ، فأقام المصدر وهو " نفخة " ، ولو جاء على إقامة المجرور لجاز ، فكنت تنصب النفخة . والسبب في ذلك أنّ المصدر يصل إليه الفعل بنفسه ، والمجرور يصل إليه الفعل بواسطة حرف الجر ، وكذلك الظرف يصل إليه الفعل بتقدير " في " ، فلمّا كان تعدّي الفعل إلى المصدر أقوى كانت إقامته أولى ، وإنّما ضعفت إقامته إذا لم يكن مختصّا في اللفظ لأنّه لا بدّ من تقدير حذف الصفة وحذف الصفة يقلّ . * * * وأما فعل المفعول هل هو مغيّر من فعل الفاعل أو بناء برأسه ففيه خلاف بين النحويين ، فمنهم من ذهب إلى أنّه مغيّر . ومنهم من ذهب إلى أنّه بناء برأسه غير مغيّر من شيء ، واستدلّ على ذلك بأنّه قد يوجد فعل مفعول لم يبن في موضع الفاعل ، نحو : " جنّ " و " غمّ " ، ولا يقال : " جنّ اللّه زيدا " ، ولا " غمّ اللّه الهلال " ، فثبت بذلك عنده أنّه غير مغيّر من شيء ، إذ لم يسمع من كلامهم ما يمكن أن يكون " غمّ " و " جنّ " مغيّرا منه . وهذا الذي استدل به لا حجّة فيه لأنه إذا قام الدليل على أنه مغيّر من فعل الفاعل على ما يبيّن بعد ، وجب أن يقدر " غمّ " و " جنّ " وأشباههما من فعل فاعل لم ينطق به ، والعرب كثيرا ما تستعمل الفرع وتهمل الأصول ، نحو : " كاد زيد يقوم " ، ألا ترى أنّ " يقوم " في

--> ( 1 ) الحاقة : 13 .